اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
318
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
وليس لمصنفه الجغرافي أية علاقة برحلاته بل يرتبط بدراساته وقراءاته ويحمل عنوان « كتاب الجبال والأماكن والمياه » ؛ وهو على هيئة معجم جغرافى من طراز معجم البكري تقريبا . والزمخشري وإن لم يكن على علم بهذا المعجم الأخير إلا أن مصادرهما واحدة وهي معاجم لغويى القرن التاسع التي تبين مواقع الأماكن الجغرافية في الجزيرة العربية مما ورد ذكره في الأشعار وفي النثر العربي المبكر . والفرق الأساسي بين البكري والزمخشري هو أن الأول كان يستهدف في الغالب الناحية الأدبية اللغوية بينما أولى الثاني اهتمامه إلى التفسير فجهد قبل كل شئ في ضبط الأعلام الجغرافية الواردة في السيرة النبوية والقرآن والحديث . - - ولقد كانت زيارته لجزيرة العرب ذات قيمة كبرى في اضطلاعه بهذا العبء ، بل إن فكرة وضع مصنف من هذا النوع قد نشأت لديه هناك وشجعه عليها شريف مكة آنذاك ، وكان رجلا مولعا بالكتب وعلى معرفة جيدة بالحجاز فقد زار معظم مواضعه الهامة 17 لذا فإن أكثر مادة الزمخشري تفصيلا هي المتعلقة بجبال الحجاز وأوديته ومياهه ؛ والمؤلف يرجع في معظم الحالات إلى رواية الأمير المذكور 18 . وقد ترك هذا أثره على جميع الكتاب فالأعلام التي استوفيت فيه استيفاء تاما هي مواضع الجزيرة العربية وحدها ، وأندر من ذلك بكثير تظهر مواضع فلسطين والشام والعراق ومصر ، وبصورة استثنائية إيران وما وراء النهر ؛ هذا بينما لا يرد أي ذكر للأندلس أو الهند . وباستثناء الحالة التي أشرنا إليها فإن جميع مصادر الزمخشري تكاد تكون مصادر مكتوبة وهي تمثل في جوهرها مصنفات اللغويين الذين عالجوا هذا الموضوع قبله 19 . بهذا تتحدد قيمة كتاب الزمخشري بالنسبة لنا ولذلك فمن العبث البحث فيه عن أية مواد تتعلق بمناطق قريبة من موطنه كخوارزم وآسيا الوسطى ، إذ أن اهتمامه في الواقع قد اتجه إلى ناحية أخرى . ولدى مقارنته بالبكرى تبدو مادته أقل تفصيلا ؛ وفقط من وقت لآخر تظهر لديه قراءات أفضل للأعلام الجغرافية . وقد عرف ياقوت كتابه وأثنى عليه 20 ، ولكن لا يخلو من مغزى أنه لم يضمه إلى مجموعة المصنفات المكرسة لجزيرة العرب وأنه قلما ينقل عنه 21 . لهذا فليس غريبا ألا نلتقى به إلا نادرا حتى في المراجع العلمية الحديثة بالرغم من وجود طبعة له لا بأس بها صدرت منذ عام 1856 وقام بتحضيرها سالفردا دى غرافه Salverda de Grave تلميذ يينبول T . G . J . Juynboll 22 ؛ وقد زود هذا الأخير تلك الطبعة بتحليل دقيق لمادتها ؛ وبحسب رأيه فإن مصنف الزمخشري لم يكمل وأن مؤلفه لم يصغه الصياغة النهائية 23 . ولحسن الحظ لم يكن جميع مواطنى الزمخشري قليلي الاهتمام بموطنهم مثله ، ويمثل طرف نقيض له في هذا الصدد معاصره الأصغر منه سنا أبو سعد عبد الكريم السمعاني ( 506 ه - 562 ه - 1113 - 1167 ) 24 من أهالي مرو ؛ وقد اشتهر في الدوائر العلمية الإسلامية - - كمفسر وعالم بالحديث ولكن